مدة القراءة التقديرية: 10-12 دقيقة
ما ستتعلمه
-
لماذا يمكن أن يؤدي كبت المشاعر إلى زيادة التوتر والقلق
-
العواقب النفسية والفسيولوجية لتجنب المشاعر
-
الفرق بين تجنب المشاعر والتعامل معها بطريقة صحية
-
كيف يفسر علم النفس الحديث دور القبول العاطفي في الصحة النفسية؟
-
استراتيجيات عملية لمواجهة المشاعر الصعبة بأمان وبشكل بنّاء
مقدمة: غريزة كبت المشاعر
ينشأ معظم الناس وهم يتعلمون - بشكل مباشر أو غير مباشر - أن المشاعر السلبية شيء يجب تجنبه. نسمع عبارات مثل:
-
"لا تفكر في الأمر."
-
"فقط حافظ على إيجابيتك."
-
"توقف عن التفكير في الماضي."
غالباً ما تأتي هذه الرسائل بنوايا حسنة. فالآباء والمعلمون والأصدقاء يريدوننا أن نشعر بتحسن، لذا يشجعوننا على تجاوز الحزن أو الغضب أو الخوف بسرعة.
لكن الأبحاث النفسية الحديثة تُشير إلى خلاف ذلك. فعندما نكبت أو نتجنب المشاعر الصعبة باستمرار، فإنها غالباً ما تزداد قوةً بدلاً من أن تضعف. وبدلاً من أن تختفي، قد تعود للظهور بطرق غير متوقعة، كالقلق أو الانفعال أو الإرهاق أو الإجهاد المزمن.
المفارقة بسيطة لكنها قوية: كلما حاولنا تجنب المشاعر غير المريحة، زادت سيطرتها على عالمنا الداخلي.
إن فهم كيفية عمل التجنب العاطفي - وكيفية الاستجابة بشكل مختلف - يمكن أن يغير الطريقة التي نتعامل بها مع التوتر والتحديات النفسية.
التكلفة الخفية لكبت المشاعر
يشير كبت المشاعر إلى المحاولة الواعية لإخفاء المشاعر أو منع التعبير عنها. وقد يكبت الناس مشاعرهم بطرق عديدة:
-
تجاهل الحزن والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام
-
إخفاء الغضب لتجنب الصراع
-
يلهون أنفسهم باستمرار للهروب من الأفكار المزعجة
-
كتمان التجارب المؤلمة وعدم البوح بها
للوهلة الأولى، يبدو الكبت مفيداً. فهو يسمح لنا بالتركيز على اللحظة الحالية. على سبيل المثال، قد يخفي شخص ما قلقه أثناء اجتماع مهم أو يؤجل حزنه أثناء التعامل مع مسؤوليات عاجلة.
لكن عندما يصبح الكبت عادة طويلة الأمد، فإنه يبدأ في خلق ضغط نفسي.
تُظهر الأبحاث في علم النفس أن كبت المشاعر يتطلب جهداً ذهنياً كبيراً. يجب على أدمغتنا مراقبة ردود الفعل العاطفية والتحكم بها باستمرار، مما يستهلك الموارد المعرفية ويزيد من الإجهاد الفسيولوجي.
أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يكبتون مشاعرهم بشكل معتاد غالباً ما يعانون مما يلي:
-
مستويات أعلى من القلق
-
زيادة هرمونات التوتر
-
انخفاض الرضا عن الحياة
-
زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب
بدلاً من القضاء على الانزعاج العاطفي، غالباً ما يحبسه الكبت تحت السطح.
مفارقة التجنب العاطفي
من أكثر الاكتشافات إثارة للاهتمام في علم النفس أن محاولات تجنب الأفكار والمشاعر غالباً ما تجعلها أكثر استمراراً.
أثبت عالم النفس دانيال ويغنر هذه الظاهرة في تجارب شهيرة حول كبت الأفكار. طُلب من المشاركين عدم التفكير في دب أبيض، ولكن المفارقة أنهم فكروا في الدب أكثر من أولئك الذين سُمح لهم بالتفكير بحرية.
ينطبق هذا التأثير - الذي يُطلق عليه أحيانًا اسم "تأثير الارتداد" - على المشاعر أيضًا.
عندما نقول لأنفسنا:
-
"لا ينبغي أن أشعر بالحزن."
-
"يجب ألا أشعر بالغضب."
-
"أحتاج إلى التوقف عن القلق."
يصبح تركيزنا أكثر تركيزاً على المشاعر غير المرغوب فيها.
يدخل العقل في عملية مراقبة، يتحقق باستمرار مما إذا كان الشعور قد اختفى. ومن المفارقات أن هذه المراقبة تبقي الشعور نشطاً.
في الحياة اليومية، قد يبدو الأمر كالتالي:
-
تجنب التفكير في موقف مُرهِق، لكن الشعور بتوتر مستمر
-
تجاهل الخلافات في العلاقات حتى تنفجر لاحقاً
-
تشتيت انتباهك باستمرار ولكنك لا تزال تشعر بعدم الارتياح
قد يؤدي التجنب إلى تأخير الانزعاج العاطفي مؤقتًا، ولكنه نادرًا ما يحل المشكلة.
كيف تتحول المشاعر المتجنبة إلى توتر
عندما يتم تجنب المشاعر بدلاً من معالجتها، فإنها غالباً ما تبقى دون حل في الجهاز العصبي.
من الناحية النفسية، تؤدي العواطف وظيفة مهمة: فهي تشير إلى حدوث شيء ذي مغزى في حياتنا. فالخوف ينبهنا إلى الخطر، والحزن يعكس الخسارة، والغضب يشير إلى الظلم المتصور أو انتهاكات الحدود.
عندما يتم تجاهل هذه الإشارات بشكل متكرر، قد يستجيب الجسم بأنماط إجهاد مزمنة.
ربطت الأبحاث في علم النفس الصحي بين الكبت العاطفي والتغيرات الفسيولوجية مثل:
-
زيادة معدل ضربات القلب وضغط الدم
-
ارتفاع مستوى الكورتيزول (هرمون التوتر)
-
زيادة تنشيط الجهاز العصبي الودي
بمرور الوقت، يمكن أن يساهم هذا التنشيط الفسيولوجي المستمر في الشعور بالتعب واضطرابات النوم والإرهاق العاطفي.
بمعنى آخر، قد يؤدي تجنب الانزعاج العاطفي إلى تقليل الضيق الواعي مؤقتًا ولكنه يزيد من التوتر الكامن.
تجنب المشاعر مقابل معالجة المشاعر
لفهم سبب زيادة التوتر من خلال التجنب، من المفيد التمييز بين طريقتين مختلفتين للاستجابة للعواطف.
التجنب العاطفي
يتضمن التجنب العاطفي محاولات الهروب من المشاعر أو كبتها.
تشمل الأشكال الشائعة ما يلي:
-
التشتت المستمر (وسائل التواصل الاجتماعي، العمل، الترفيه)
-
إنكار التجارب العاطفية
-
تحليل المشاعر منطقياً بدلاً من تجربتها.
-
استخدام المواد أو السلوكيات القهرية لتخدير المشاعر
على الرغم من أن هذه الاستراتيجيات قد توفر راحة قصيرة الأجل، إلا أنها غالباً ما تمنع الحل العاطفي.
المعالجة العاطفية
تتضمن المعالجة العاطفية الاعتراف بالمشاعر وفهمها بدلاً من تجاهلها.
وهذا يشمل:
-
التعرف على المشاعر وتسميتها
-
السماح للمشاعر بالوجود دون إصدار أحكام فورية
-
التفكير فيما قد تشير إليه هذه المشاعر
-
إيجاد طرق بناءة للرد
تشير الأبحاث في مجال تنظيم المشاعر إلى أن معالجة المشاعر تساعد الدماغ على دمج التجارب وتقليل التوتر على المدى الطويل.
بمرور الوقت، تبدأ المشاعر التي يتم الاعتراف بها ومعالجتها بشكل طبيعي في التلاشي.
لماذا تُعزز مواجهة المشاعر القدرة على التكيف؟
خلافاً للاعتقاد الشائع، فإن المرونة العاطفية لا تعني تجنب المشاعر السلبية، بل تعني تنمية القدرة على مواجهتها دون الشعور بالإرهاق.
وجد علماء النفس الذين يدرسون المرونة أن الأفراد الذين يتقبلون التجارب العاطفية يميلون إلى إظهار ما يلي:
-
انخفاض مستويات القلق
-
تحسين التعافي من الإجهاد
-
مرونة نفسية أكبر
لا يعني التقبل الاستمتاع بالمشاعر المؤلمة أو الاستسلام للمعاناة، بل يعني إدراك أن المشاعر تجارب مؤقتة يمكن استكشافها وفهمها.
يتوافق هذا المنظور مع المناهج العلاجية مثل:
-
العلاج بالقبول والالتزام (ACT)
-
التدخلات القائمة على اليقظة الذهنية
-
العلاج المرتكز على المشاعر
تؤكد هذه المناهج على أن الوعي العاطفي والقبول يقللان من الصراع ضد التجارب الداخلية.
عندما يقل الصراع، غالباً ما يقل التوتر أيضاً.
العلاقة بين العقل والجسم في كبت المشاعر
إن المشاعر ليست مجرد تجارب عقلية فحسب، بل هي أيضاً عمليات جسدية.
كل حالة عاطفية تنطوي على تغييرات فسيولوجية، بما في ذلك التحولات في:
-
أنماط التنفس
-
توتر العضلات
-
معدل ضربات القلب
-
النشاط الهرموني
عندما يتم كبت المشاعر، قد تظل هذه الاستجابات الجسدية نشطة حتى لو بدا الشخص هادئًا ظاهريًا.
على سبيل المثال:
قد يُصاب الشخص الذي يكبت غضبه بتوتر عضلي في الكتفين أو الفك.
قد يشعر الشخص الذي يتجنب الحزن بإرهاق أو ثقل مستمر.
قد يعاني الشخص الذي يتجاهل القلق من الصداع أو اضطرابات في الجهاز الهضمي.
تُظهر الأبحاث في الطب النفسي الجسدي بشكل متزايد أن الإجهاد العاطفي غير المعالج يمكن أن يساهم في ظهور الأعراض الجسدية.
هذا لا يعني أن المشاعر تسبب المرض بشكل مباشر وبسيط. لكن الكبت العاطفي المزمن قد يُرهق أنظمة الجسم التنظيمية.
لماذا نتعلم تجنب المشاعر الصعبة
إذا كان تجنب المشاعر يمكن أن يزيد من التوتر، فلماذا يعتمد عليه الكثير من الناس؟
غالباً ما يكمن الجواب في التأثيرات الثقافية والتنموية.
ينشأ الكثير من الناس في بيئات تُثبط فيها بعض المشاعر. على سبيل المثال:
-
قد يتم تعليم الأولاد عدم التعبير عن الحزن
-
قد يتم تشجيع الفتيات على كبت الغضب
-
قد تتجنب العائلات مناقشة التجارب المؤلمة
-
قد تُكافئ بيئات العمل الانفصال العاطفي.
بمرور الوقت، يتعلم الناس أن التعبير عن المشاعر الصعبة قد يؤدي إلى النقد أو الرفض أو الإزعاج للآخرين.
ونتيجة لذلك، يصبح التجنب استراتيجية تكيف مكتسبة.
في حين أن هذه الاستراتيجية قد تساعد الناس على التعامل مع التوقعات الاجتماعية، إلا أنها قد تحد أيضاً من الوعي العاطفي وفهم الذات.
طرق عملية لمواجهة المشاعر الصعبة بأمان
مواجهة المشاعر لا تعني الغوص في مشاعر جارفة دون دعم. بل يمكن التعامل مع معالجة المشاعر تدريجياً وبأمان.
فيما يلي بعض الممارسات المدعومة بالأبحاث والتي تساعد الأفراد على التعامل مع المشاعر الصعبة بشكل بنّاء.
1. سمِّ الشعور
تُظهر الأبحاث أن تسمية المشاعر تقلل من النشاط في مراكز التهديد في الدماغ.
إن مجرد تحديد الشعور - مثل قول "أشعر بالقلق" أو "أشعر بخيبة أمل" - يمكن أن يساعد في تنظيم شدة المشاعر.
تُسمى هذه العملية أحيانًا "تصنيف المشاعر".
فهي تخلق مسافة نفسية صغيرة تسمح للعقل بالاستجابة بتفكير بدلاً من رد الفعل باندفاع.
2. اسمح للعاطفة بالظهور دون إصدار أحكام
يُضيف الكثير من الناس طبقة ثانية من الضيق من خلال الحكم على مشاعرهم الخاصة.
على سبيل المثال:
-
"لا ينبغي أن أشعر بهذه الطريقة."
-
"هناك خطب ما بي."
بدلاً من ذلك، حاول الاعتراف بالمشاعر كتجارب إنسانية طبيعية.
قد تقول لنفسك:
"هذه لحظة صعبة، ولا بأس أن أشعر بهذا."
يتماشى هذا النهج مع مبادئ التعاطف مع الذات، والتي أظهرت الأبحاث أنها تقلل من التوتر والتفاعل العاطفي.
3. استخدم الفضول اللطيف
بدلاً من تجاهل المشاعر، تعامل معها بفضول.
قد تكون أسئلة مثل الأسئلة التالية مفيدة:
-
ما الذي أثار هذا الشعور؟
-
ما الذي قد تحاول هذه المشاعر إخباري به؟
-
ما الذي أحتاجه الآن؟
يحوّل الفضول المشاعر من أعداء إلى مصادر للمعلومات.
4. التعبير عن المشاعر بطرق صحية
غالباً ما يصبح التعامل مع المشاعر أسهل عندما يتم التعبير عنها بشكل بنّاء.
تشمل الأشكال الصحية للتعبير العاطفي ما يلي:
-
الكتابة في دفتر يوميات
-
التحدث مع صديق موثوق
-
الأنشطة الإبداعية مثل الرسم أو الموسيقى
-
الحركة البدنية أو التمارين الرياضية
تُظهر الأبحاث المتعلقة بالكتابة التعبيرية أن وضع المشاعر في الكلمات يمكن أن يقلل بشكل كبير من التوتر ويحسن الصحة العقلية.
5. ممارسة الوعي الذهني
يشجع التأمل الذهني على مراقبة المشاعر دون محاولة تغييرها على الفور.
تتضمن هذه الممارسة ملاحظة ما يلي:
-
الأحاسيس الجسدية
-
التحولات العاطفية
-
الأفكار التي تتبادر إلى الذهن
بمرور الوقت، تساعد اليقظة الذهنية الناس على إدراك أن المشاعر هي حالات مؤقتة وليست ظروفاً دائمة.
غالباً ما يقلل هذا الإدراك من الخوف المرتبط بالمشاعر الصعبة.
6. اطلب الدعم عند الحاجة
بعض المشاعر - وخاصة تلك المرتبطة بالصدمات أو الحزن أو التحديات الحياتية الكبرى - قد يكون من الصعب التعامل معها بمفردك.
في مثل هذه الحالات، يمكن للدعم المقدم من معالج نفسي أو مستشار أو مجموعة دعم أن يوفر بيئة آمنة للاستكشاف العاطفي.
يمكن أن تساعد الإرشادات المهنية الأفراد على تطوير استراتيجيات صحية لتنظيم المشاعر ومعالجة التجارب المعقدة بوتيرة يمكن التحكم فيها.
السعي نحو التوازن العاطفي
إن الهدف من معالجة المشاعر ليس التخلص من المشاعر السلبية تماماً، فهذا هدف غير واقعي وغير ضروري.
تُعدّ المشاعر - سواء كانت سارة أو غير سارة - مكونات أساسية في حياة الإنسان.
المهم هو كيف نتعامل معهم.
عندما يتم الاعتراف بالمشاعر واستكشافها والتعبير عنها بشكل بنّاء، فإنها غالباً ما تصبح أقل وطأة. ويقل التوتر لأن العقل لم يعد بحاجة إلى مقاومة تجاربه الخاصة.
بمرور الوقت، يمكن أن يؤدي هذا التحول من التجنب إلى الوعي إلى ما يلي:
-
وضوح عاطفي أكبر
-
تحسين القدرة على الصمود
-
علاقات صحية
-
فهم أعمق للذات
إن تعلم كيفية مواجهة المشاعر بلطف وأمان هو أحد أقوى المهارات لتحقيق الرفاهية النفسية على المدى الطويل.
خاتمة
قد يبدو تجنب المشاعر السلبية وسيلة فعالة لحماية أنفسنا من الضيق. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث النفسية باستمرار أن الكبت والتجنب غالباً ما يزيدان من التوتر بدلاً من تخفيفه.
عندما يتم كبت المشاعر، فإنها تبقى دون حل تحت السطح، مما يخلق توتراً مستمراً في كل من العقل والجسد.
وعلى النقيض من ذلك، فإن المعالجة العاطفية - من خلال الوعي والقبول والتعبير البناء - تسمح للعواطف بالمرور من خلالنا بدلاً من أن تبقى محصورة داخلنا.
مواجهة المشاعر الصعبة لا تجعل الحياة أصعب، بل في كثير من الأحيان تجعلها أسهل.
من خلال تعلم الاعتراف بتجاربنا الداخلية وفهمها، فإننا نقلل من الصراع ضدها ونفتح الباب أمام مزيد من التوازن العاطفي والمرونة.
مراجع
-
جروس، جيه جيه (2015). تنظيم الانفعالات: الوضع الحالي والآفاق المستقبلية. البحث النفسي .
-
Hayes, SC, Strosahl, K., & Wilson, K. (2012). علاج القبول والالتزام: عملية وممارسة التغيير الواعي .
-
بينيباكر، جيه دبليو، وتشونغ، سي كيه (2011). الكتابة التعبيرية: صلاتها بالصحة البدنية والعقلية.
-
ويغنر، د.م. (1994). العمليات الساخرة للتحكم العقلي. المراجعة النفسية .
-
كاشدان، تي بي، وروتنبرغ، جيه. (2010). المرونة النفسية كجانب أساسي من جوانب الصحة. مراجعة علم النفس السريري .
-
نيف، ك.د. (2011). التعاطف مع الذات: القوة المثبتة للطف مع نفسك .
