وقت القراءة التقريبي: 10–12 دقيقة
ما المقصود بنقاط القوة الأقل تجلّيًا؟
نقاط قوة الشخصية صفات إيجابية تتجلى في طريقة تفكيرنا ومشاعرنا وأفعالنا، مثل الفضول واللطف والإقدام والامتنان. وعندما نطّلع على نتائج استبيان VIA، نجد بعض هذه النقاط في مقدمة الترتيب وأخرى في نهايته. نقصد هنا بعبارة «الأقل تجلّيًا» النقاط التي تأتي في مراتب متأخرة نسبيًا في نتائج الشخص، لا الصفات الأقل قيمة أو أهمية. فهذا الترتيب يستند إلى إجاباته عن الاستبيان، ولا يحدد جودة تصرفاته في كل موقف يمر به. كما أن ورود نقطة قوة في نهاية القائمة لا يعني غيابها عنه. إنها بداية للتأمل في نفسه، وليست حكمًا نهائيًا على شخصيته.
لنتخيّل شخصًا يسهل عليه ابتكار الأفكار، لكنه لا يتوقف كثيرًا ليتوقع الصعوبات العملية التي قد تواجه تنفيذها. قد يكون الإبداع مألوفًا له، بينما يحتاج التأنّي إلى انتباه مقصود. وقد نجد شخصًا آخر يبادر إلى مساعدة الآخرين، لكنه يتردد عندما يحتاج إلى التعبير عن احتياجاته. لا تسمح لنا هذه الأمثلة بالتنبؤ بنتائج أيّ منهما في الاستبيان، لكنها توضح لماذا قد نحتاج إلى الاستعانة بصفات تتجاوز استجاباتنا المعتادة. فالسؤال ليس كيف نصبح أشخاصًا مختلفين تمامًا، بل ما إذا كانت نقطة قوة لا نلتفت إليها عادةً ستساعدنا على التعامل مع أمر مهم في حياتنا الآن.

الترتيب المنخفض لا يعني الاستخدام الضعيف
ثمة فرق بين سؤالين: «أين تقع نقطة القوة هذه في نتائجي؟» و«هل أستخدمها بما يناسب هذا الموقف؟». يتعلق الاستخدام الضعيف بالسؤال الثاني. وفي تناول نيميك للاستخدام الأمثل لنقاط القوة، تبرز أهمية الموقف ومقدار الاستخدام وتكامل عدة نقاط، بدل الاكتفاء بالدعوة إلى زيادة استخدامها جميعًا. فقد يتجنب شخصٌ يحتل الصدق مرتبة متقدمة لديه حديثًا ضروريًا، بينما ينسّق شخصٌ تأتي القيادة في مرتبة متأخرة لديه مهمةً مشتركة بحكمة. يصف ترتيب النقاط نمطًا عامًا، أما فهم التصرف المحدد فيحتاج إلى النظر في ظروفه. ولا يغني أحد الأمرين عن الآخر.
إذا بقيت صامتًا في اجتماع، فقد تكون منصتًا باهتمام، أو غير متأكد من معلوماتك، أو خائفًا من الانتقاد، أو مدركًا أن الكلام في هذا السياق قد تكون له تبعات فعلية. وتسميته فورًا «ضعفًا في الإقدام» قد تمنعك من فهم ما حدث. الأجدى أن تسأل: هل كان لدي ما يستحق المشاركة؟ وما الذي كان سيساعدني على قوله؟ قد تحتاج إلى التدريب، وقد تحتاج إلى معلومات أو تحضير أو طريقة مشاركة تناسبك أو بيئة أكثر أمانًا. هذه الفروق مهمة كي لا تتحول لغة نقاط القوة إلى وسيلة جديدة للوم الذات.
ماذا تقول الأبحاث عن أثر تفعيلها؟
قارنت تجربة عشوائية أجراها بروير وزملاؤه عام 2015 استخدام نقاط القوة المميّزة أو الأقل ترتيبًا بطرق جديدة بنشاط ضابط. شمل التحليل 375 بالغًا أكملوا المتابعات. ظهرت فوائد للسعادة في بعض المتابعات وانخفاضات قصيرة الأمد في أعراض الاكتئاب في مجموعتي نقاط القوة، لكن النتائج لم تكن دالة باستمرار في كل قياس. ولأن النقاط قِيست في البداية، لا تثبت الدراسة ارتفاع مستوياتها. كما يحدّ الانسحاب من المتابعة وطبيعة العينة، التي غلبت عليها النساء والمتعلمون والناطقون بالألمانية، من تعميم النتائج. تدعم الدراسة تجربة هذه النقاط، دون حصر الفائدة بالنقاط المميّزة.
يغيّر هذا التمييز ما ننتظره من تجربة شخصية بسيطة. فبدل محاولة إثبات أن أسبوعًا من التدريب غيّر شخصيتنا، يمكننا أن نسأل إن كان التصرف الذي جرّبناه قد خدم غرضًا مهمًا. هل كشف السؤال عن معلومة كنا نحتاجها؟ وهل أوصل التعبير المحدد عن الامتنان تقديرًا لم نكن نعبّر عنه سابقًا؟ هذه أسئلة عملية، وليست ادعاءً بأن الدراسة اختبرت كل مثال يرد في هذا المقال. أما الاقتراحات الآتية فهي تطبيقات حياتية يمكن تأملها وتكييفها، وليست برنامجًا علاجيًا مثبتًا أو وعدًا بتحسن الرفاه لدى الجميع.
ابدأ من الموقف، لا من آخر القائمة
ليس ضروريًا أن تبدأ بآخر نقطة في نتائجك لمجرد أنها تحتل المرتبة الأخيرة. ابدأ بموقف متكرر تشعر فيه أن استجابتك المعتادة تترك أمرًا مهمًا دون معالجة. ربما تنجز أعمالك ولكنك لا تلتفت إلى من أسهموا في إنجازها، أو تفهم مشاعر الآخرين وتتجنب توضيح موقفك، أو تجمع معلومات كثيرة دون أن تتخذ قرارًا. صف الصعوبة بلغة بسيطة قبل أن تختار نقطة القوة المناسبة. بهذه الطريقة ترتبط التجربة بحياتك، بدل أن تصبح نتائج الاستبيان قائمة عيوب تحاول التخلص منها. كما يصبح تحديد ما إذا كانت التجربة مفيدة أكثر سهولة.
لنفترض أنك تريد المشاركة بصورة أنشط في نقاش جماعي. إن عبارة «سأصبح قائدًا» واسعة جدًا، بينما يحدد قولك «سأعرض تلخيص الخيارات قبل أن نتخذ القرار» سلوكًا يمكن ملاحظته. قد تستعين بالقيادة حتى لو جاءت متأخرة في نتائجك، أو بالمحاكمة العقلية لمقارنة البدائل بإنصاف. يتوقف الاختيار على حاجة المجموعة وعلى ما تستطيع الإسهام به بصورة معقولة. وقد تكون مداخلة هادئة في وقت مناسب أنفع من تولّي الحديث كله. المقصود أن تجد تعبيرًا ملائمًا عن نقطة القوة، لا أن تؤدي دور الشخص الواثق أمام الآخرين.
استعِن بنقطة مألوفة لتجربة أخرى
لا يتطلب تفعيل نقاط القوة الأقل تجلّيًا أن تتخلى عن نقاطك المميّزة. يمكنك، كتجربة عملية، الاستعانة بصفة مألوفة لتسهيل سلوك أقل اعتيادًا. فإذا كان الفضول حاضرًا لديك، بينما يبدو التعبير عن الامتنان محرجًا، اسأل شخصًا كيف أنجز عملًا صعبًا قبل أن تشكره على إسهام محدد. وإذا كان الإبداع مألوفًا أكثر من الانضباط الذاتي، فابتكر تذكيرًا بسيطًا يساعدك على بدء مهمة في الوقت المقصود. تتيح النقطة المألوفة مدخلًا، وتضيف الثانية ما يحتاجه الموقف. وهذه دعوة إلى تجربة التكامل بين النقاط، وليست قاعدة تفترض نجاح تركيبات محددة لدى الجميع.
انتبه، مع ذلك، إلى احتمال استخدام النقطة المحببة إليك لتجنب السلوك الذي أردت التدرب عليه. فقد يستهلك ابتكار أنظمة معقدة لتنظيم العمل الوقتَ الذي كنت تنوي تخصيصه لبدء العمل نفسه. وكذلك لا يعني طرح أسئلة كثيرة أنك أوصلت تقديرك إلى الشخص الآخر. حدّد ما تضيفه كل نقطة: يساعدك الفضول على فهم الجهد، ويساعدك الامتنان على الاعتراف به والتعبير عن قيمته. ثم اسأل بعد المحاولة إن كان الإسهامان قد تحققا فعلًا. وإذا لم يحدث ذلك، فبسّط التصرف بدل إضافة مزيد من التحضير إليه.
ما الذي قد يتغير في علاقاتنا؟
قد تكمن قيمة الاستجابة الجديدة في توضيح شيء لا يستطيع الآخر استنتاجه دائمًا. تخيّل شخصًا يعبّر عن اهتمامه بالمساعدة العملية، لكنه نادرًا ما يخبر صديقه لماذا يقدّر وجوده في حياته. ربما تتيح عبارة صادقة ومحددة إيصال هذا التقدير دون الحاجة إلى إعلان عاطفي كبير. أو تخيّل شخصًا يلاحظ التوتر ثم ينسحب عادةً؛ قد يتمثل الذكاء الاجتماعي هنا في التحقق من فهمه بدل افتراض أنه يعرف شعور الآخر. هذه أمثلة لتغيرات ممكنة في التواصل، لا ضمانات لتحسن العلاقة. فاحتياجات الطرف الآخر واستجابته تظلان جزءًا أساسيًا من الموقف.
ويجب أن يحافظ التدريب على الحدود الشخصية أيضًا. فاللطف لا يقتضي قبول كل طلب، والصدق لا يفرض كشف معلومات خاصة، والتسامح لا يعني استعادة الثقة دون دلائل على التغيير. وإذا كانت العلاقة غير آمنة، فلا تصلح زيادة التعرض للأذى أو الضغط معيارًا للنمو الشخصي. قد يتجلى الإقدام بدلًا من ذلك في طلب الدعم، ويتجلى التأنّي في التفكير في وسائل الحماية. لا يصبح التصرف مفيدًا لمجرد أننا أطلقنا عليه اسم نقطة قوة. ينبغي النظر في تبعاته، بما فيها تبعاته عليك أنت.
تطبيقات في مجالي الدراسة والعمل
قد يجرّب طالب يحب التعلم، لكنه يتردد في طلب التوضيح، إعداد سؤال واحد وطرحه بعد الدرس. الهدف أن يحصل على المعلومة التي يحتاجها، لا أن يصبح أكثر الطلاب كلامًا. وقد يفعّل موظف ينجز مهامه الفردية بانتظام روح الفريق من خلال التحقق من أثر تسليمه للعمل في مهمة زميله التالية. وقد يستعين شخص اعتاد المثابرة على طريقة واحدة بالمحاكمة العقلية لفحص ما يدل على الحاجة إلى تغييرها. يبدأ كل مثال بمهمة عادية ويحدد إسهامًا قد يحسّن التعامل معها. ولا يتطلب أي منها اعتبار الشخص ناقصًا، أو افتراض أن على الجميع تنمية نقطة القوة نفسها.
وتظل الأعباء والموارد جزءًا من الصورة. فعندما تكون التعليمات متناقضة، أو المواعيد غير واقعية، أو يفتقر الطالب إلى الدعم اللازم، قد يفوّت طلب المزيد من المثابرة أو الانضباط الذاتي فهمَ العائق الحقيقي. لذلك قد تشمل التجربة طلب توضيح الأولويات، أو تعديل البيئة، أو الاتفاق على ما يمكن إنجازه فعلًا. تصف نقاط القوة كيفية تعاملنا مع هذه الخطوات، لكنها لا تخلق وقتًا أو أدوات أو صلاحيات لا نملكها. ضع هذه الظروف في الحسبان عندما تراجع النتيجة. وإلا فقد تفسّر عدم نجاح الخطة على أنه فشل شخصي، مع أن الخطة كانت تحتاج إلى شروط مختلفة.
ومن المفيد كذلك التمييز بين نقطة القوة والمهارة اللازمة للتعبير عنها. فالرغبة في الإسهام بالقيادة لا تعلّمك تلقائيًا كيف تدير اجتماعًا؛ قد تحتاج إلى جدول أعمال بسيط، أو نموذج تلاحظه، أو ملاحظات على طريقة توزيعك للوقت. وكذلك قد تستفيد محاولة ممارسة الإقدام أثناء عرض تقديمي من التدريب وفهم احتياجات الجمهور. لا تجعل هذه المساندة نقطة القوة أقل أصالة، بل تساعد على تحويل القصد إلى سلوك يلائم الموقف. وعندما تبدو الممارسة صعبة، اسأل عن المعرفة أو التحضير اللذين تحتاجهما قبل أن تستنتج أن الصفة ليست متاحة لك.
تجربة صغيرة يمكن مراجعة أثرها
اختر موقفًا يُرجّح أن تواجهه هذا الأسبوع، ونقطة قوة يمكن أن تضيف إليه شيئًا مفيدًا. اكتب التصرف بلغة عادية، وحدد متى ستجربه وما الذي يعني أنك قمت به. يمكنك مثلًا أن تقول: «في اجتماع التخطيط المقبل، سأطرح سؤالًا عن الأشخاص الذين لم نأخذ وجهات نظرهم في الحسبان». قد يعبّر هذا التصرف عن الإنصاف أو الفضول أو المحاكمة العقلية بحسب قصدك والسياق؛ لا حاجة إلى حصره قسرًا في تصنيف واحد. اجعل التجربة صغيرة بما يكفي لتناسب مسؤولياتك وطاقتك الحالية. فتكرار فعل مدروس يقدم معلومات أنفع من إعلان تغيير شامل للشخصية.
بعد المحاولة، دوّن باختصار الموقف، وما فعلته، وما ترتب عليه. أضف ما لاحظته من جهد أو انزعاج أو فائدة أو أثر غير مقصود. ويمكنك أن تسأل شخصًا تثق به سؤالًا محددًا، مثل ما إذا كان تلخيصك قد ساعده على فهم الخيارات المتاحة. تمثل إجابته معلومة مفيدة، لا تقييمًا نهائيًا لشخصيتك. قرر بعدها إن كنت ستكرر التصرف، أو تغير توقيته، أو تخفف شدته، أو تجرب استجابة أخرى. فالمراجعة جزء من الممارسة، ولا سيما عندما لا تسير المحاولة الأولى كما توقعت.
لاحظ التقدم دون مطاردة ترتيب جديد
قد يكون للتصرف الأكثر ملاءمة أثر مهم حتى لو لم يتغير ترتيب نقاطك. فإذا طلبت التوضيح في وقت أبكر، أو عبّرت عن تقديرك بصورة أوضح، أو توقفت قبل قبول التزام غير واقعي، فهذه تغيرات محددة تستحق الملاحظة. وسيظل أي ترتيب يضع بعض النقاط بعد غيرها، حتى لو ارتفعت مستويات عدة نقاط معًا. لذلك لا يمكن للترتيب أن يحقق هدف وضع جميع الصفات في مقدمته. ابحث بدلًا من ذلك عن استجابة تخدم قيمك وظروفك بصورة أفضل. فالنتيجة العملية أهم من خوض منافسة متخيلة بين صفاتك.
ومن المقبول أيضًا أن تكتشف أن ممارسة معينة لا تفيدك الآن. ربما لم تختر النقطة المناسبة، أو كان التصرف مرهقًا، أو كانت هناك استجابة أخرى أكثر مراعاة للموقف. يمكنك الاستمرار في الاعتماد على نقاطك المألوفة مع الانفتاح على غيرها حين تظهر حاجة إليها. الغاية أن تتسع خياراتك المدروسة، لا أن تتساوى درجاتك في الصفات الأربع والعشرين. تستحق نقاط القوة الأقل تجلّيًا الانتباه لأنها قد تتيح طريقة أخرى للتصرف. وتتضح قيمتها عندما تربطها بغرض حقيقي، وتجرب التعبير عنها بصورة مناسبة، وتنظر فيما حدث فعلًا.
المراجع
- Niemiec, R. M. (2019). Finding the golden mean: The overuse, underuse, and optimal use of character strengths. Counselling Psychology Quarterly, 32(3–4), 453–471. https://doi.org/10.1080/09515070.2019.1617674
- Proyer, R. T., Gander, F., Wellenzohn, S., & Ruch, W. (2015). Strengths-based positive psychology interventions: A randomized placebo-controlled online trial on long-term effects for a signature strengths- vs. a lesser strengths-intervention. Frontiers in Psychology, 6, 456. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2015.00456
- VIA Institute on Character. (n.d.). Frequently asked questions. https://www.viacharacter.org/faq
حقوق الرموز الأصلية لنقاط القوة والفضائل تعود إلى VIA Institute on Character. الصورة الافتتاحية تجريدية ولا تمثل رموز VIA.
