الوقت المقدر للقراءة: 15-18 دقيقة
ما سوف تتعلمه
بقراءة هذا المقال سوف تتمكن من:
-
فهم علم المشاعر الإيجابية ودورها في السعادة.
-
اكتشاف نظرية التوسيع والبناء لباربرا فريدريكسون وكيف تفسر الدوامات التصاعدية للرفاهية.
-
استكشاف علم الأعصاب وراء الفرح والامتنان والأمل.
-
تعرف على كيفية تعزيز المشاعر الإيجابية للصحة والمرونة والعلاقات.
-
البحث عن استراتيجيات عملية لتنمية المشاعر الإيجابية في الحياة اليومية.
-
دحض الأساطير الشائعة حول المشاعر الإيجابية والسعادة.
مقدمة
لطالما اعتُبرت السعادة من أكثر مساعي البشرية ديمومةً. ناقش الفلاسفة، من أرسطو إلى كونفوشيوس، شروط الحياة الرغيدة، بينما يُقدم علم النفس الحديث الآن رؤىً تجريبية حول ما يُسهم في ازدهار الناس. ومن المواضيع المحورية التي تبرز عبر عقود من البحث الدور القوي للمشاعر الإيجابية - الفرح، والامتنان، والأمل، والحب، والرهبة، والفخر، والسكينة - في تعزيز الرفاهية وغرس السعادة الدائمة.
المشاعر الإيجابية، بعيدًا عن كونها لحظات عابرة من "الشعور بالسعادة"، تُسهم في بناء المرونة، وتقوية العلاقات، وتحسين الصحة، وتعزيز النمو الشخصي. تستكشف هذه المقالة كيف تُعزز المشاعر الإيجابية السعادة، مستندةً إلى نظرية "التوسع والبناء" ، وعلم الأعصاب، وأدلة من أبحاث علم النفس الإيجابي. كما سنستعرض طرقًا عملية لتنمية المشاعر الإيجابية في الحياة اليومية.
ما هي المشاعر الإيجابية؟
يُميّز علماء النفس بين المشاعر الإيجابية والحالات الحيادية أو المشاعر السلبية. المشاعر الإيجابية هي حالات عاطفية تُوسّع الوعي وتُحفّز الأفراد على التفكير والفعل البنّاء (Fredrickson, 2001). ومن الأمثلة الشائعة:
-
الفرح: شعور بالبهجة والمرح
-
الامتنان: التقدير على الفوائد التي حصلنا عليها
-
الأمل: الإيمان بإمكانية تحقيق نتائج إيجابية
-
الحب: الدفء والاتصال بالآخرين
-
الدهشة: التعجب من شيء أعظم من الذات
في حين أن المشاعر السلبية مثل الخوف والغضب تطورت لتضييق الانتباه والاستعداد للتهديدات المباشرة، فإن المشاعر الإيجابية تعمل على توسيع الوعي، وتشجيع الاستكشاف، والمساعدة في بناء الموارد للمستقبل (Fredrickson, 2013).
نظرية التوسيع والبناء
إن التفسير الأساسي لكيفية مساهمة المشاعر الإيجابية في السعادة هو نظرية توسيع وبناء المشاعر الإيجابية لباربرا فريدريكسون Fredrickson (1998; 2001).
-
توسيع نطاق الوظيفة : تُوسّع المشاعر الإيجابية نطاق تفكير الأفراد ونشاطهم. على سبيل المثال، يُثير الفرح روح اللعب والإبداع، بينما يُشجع الفضول على الاستكشاف.
-
بناء الوظيفة : بمرور الوقت، تتراكم هذه السلوكيات الواسعة لتتحول إلى موارد شخصية دائمة - الروابط الاجتماعية، والمرونة، ومهارات حل المشكلات، والصحة.
-
دوامة تصاعدية : الموارد التي يتم بناؤها من خلال المشاعر الإيجابية تزيد من احتمالية تجربة المزيد من المشاعر الإيجابية في المستقبل، مما يعزز السعادة على المدى الطويل.
تدعم الدراسات التجريبية هذه النظرية. على سبيل المثال، وجد فريدريكسون وجوينر Fredrickson and Joiner (2002) أن الأشخاص الذين يشعرون بمشاعر إيجابية أكثر أفادوا بالمزيد من المرونة والتفكير الأوسع، مما تنبأ بدوره بزيادة الرضا عن الحياة بمرور الوقت.
علم الأعصاب والمشاعر الإيجابية
تكشف التطورات في علم الأعصاب أن المشاعر الإيجابية تُغيّر نشاط الدماغ بطرق تُعزز السعادة. وتُظهر دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أن المشاعر الإيجابية تُنشّط مناطق مثل القشرة الجبهية الأمامية البطنية الإنسية، المرتبطة باتخاذ القرار والمكافأة، والنواة المتكئة، المسؤولة عن معالجة المتعة والدافع (Kringelbach & Berridge, 2009).
علاوة على ذلك، تُحفّز المشاعر الإيجابية إطلاق الدوبامين والسيروتونين، وهما ناقلان عصبيان مرتبطان بالمكافأة وتنظيم المزاج. هذه التغيرات الكيميائية العصبية لا تُنتج متعة فورية فحسب، بل تُسهّل أيضًا التعلّم والذاكرة والسعي نحو الأهداف (Ashby, Isen, & Turken, 1999).
وقد ارتبطت التجارب المزمنة من المشاعر الإيجابية أيضًا بانخفاض النشاط في اللوزة الدماغية، مركز الخوف في الدماغ، مما يساعد الأفراد على إدارة التوتر بشكل أكثر فعالية (Urry et al., 2004).
المشاعر الإيجابية وصحة الجسم
السعادة ليست نفسية فحسب، بل فسيولوجية أيضًا. تُظهر الأبحاث باستمرار أن المشاعر الإيجابية ترتبط بنتائج صحية أفضل.
-
صحة القلب والأوعية الدموية: تعمل المشاعر الإيجابية على خفض ضغط الدم وتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب (Boehm & Kubzansky, 2012).
-
الوظيفة المناعية: تشير الدراسات إلى أن التفاؤل والفرح يعززان الاستجابة المناعية، مما يجعل الأفراد أقل عرضة للإصابة بالعدوى (Cohen & Pressman, 2006).
-
طول العمر: وجدت دراسة بارزة قامت بتحليل السير الذاتية للراهبات الكاثوليكيات أن أولئك الذين عبروا عن مشاعر أكثر إيجابية في وقت مبكر من حياتهم عاشوا لفترة أطول بشكل ملحوظ (Danner, Snowdon, & Friesen, 2001).
وتسلط هذه النتائج الضوء على أن المشاعر الإيجابية تعزز الارتباط بين العقل والجسم، مما يساهم بشكل مباشر في السعادة من خلال تحسين الصحة.
المشاعر الإيجابية والمرونة
تُعزز المشاعر الإيجابية المرونةَ النفسية؛ أي القدرة على التعافي من الشدائد. وقد أظهر توغاد وفريدريكسون Tugade and Fredrickson (2004) أن الأفراد المرنين يختبرون مشاعر إيجابية أكثر أثناء التوتر، مما يساعدهم على التعافي من الناحية القلبية والنفسية أسرع من الأفراد الأقل مرونة.
بتوسيع آفاقنا، تُمكّننا المشاعر الإيجابية من رؤية الحلول بدلًا من التركيز على المشاكل، مما يُشكّل حاجزًا أمام نكسات الحياة الحتمية. بهذه الطريقة، تُرسي المشاعر الإيجابية أساسًا من المرونة النفسية ، وهو أمرٌ بالغ الأهمية لتحقيق السعادة على المدى الطويل.
الروابط الاجتماعية والمشاعر الإيجابية
البشر كائنات اجتماعية بطبيعتها، والمشاعر الإيجابية ضرورية لتكوين العلاقات واستدامتها.
-
الحب والرحمة: تعزيز الثقة والحميمية في العلاقات الوثيقة (Reis & Gable, 2003).
-
الامتنان: يقوي الروابط من خلال دعم السلوك الاجتماعي الإيجابي وزيادة التقدير المتبادل (Algoe, Haidt, & Gable, 2008).
-
البهجة المشتركة: إن اختبار المشاعر الإيجابية على مستوى المجموعة يعزز تماسكها ويزيد من سعادتها.
إن الرابط بين المشاعر الإيجابية والترابط الاجتماعي يخلق دوامة تصاعدية أخرى: حيث يجتذب الأشخاص الأكثر سعادة علاقات داعمة ويحافظون عليها، ما يؤدي بدوره إلى تعزيز المزيد من السعادة (Lyubomirsky, King, & Diener, 2005).
المشاعر الإيجابية والنمو الشخصي
إلى جانب الصحة والعلاقات، تعمل المشاعر الإيجابية على تغذية النمو الشخصي.
-
الإبداع والتعلم: تعمل الحالة المزاجية الإيجابية على تحسين المرونة الإدراكية، مما يجعل من السهل توليد الأفكار وتعلم مواد جديدة (Isen, 2008).
-
الدافع والسعي لتحقيق الهدف: التفاؤل والأمل يزيدان من المثابرة والجهد المبذول لتحقيق الأهداف طويلة الأمد (Snyder et al., 2000).
-
المعنى في الحياة: تعمل المشاعر مثل الرهبة والامتنان على تعزيز الشعور بالهدف والاتصال بشيء أعظم من الذات (Stellar et al., 2017).
وتوضح هذه النتائج أن المشاعر الإيجابية ليست مجرد نتائج ثانوية للنجاح، بل هي حافز لتحسين الذات والازدهار.
تنمية المشاعر الإيجابية في الحياة اليومية
في حين أن العوامل الوراثية وظروف الحياة تؤثر على السعادة، تُظهر الأبحاث أن الأفراد قادرون على تنمية المشاعر الإيجابية عمدًا. إليكم بعض الاستراتيجيات القائمة على الأدلة:
1. ممارسات الامتنان
تعزز تدوينات الامتنان أو التعبير عن التقدير العلاقات وتزيد الرفاهية (Emmons & McCullough, 2003).
2. اليقظة الذهنية والتذوق
تزيد اليقظة الذهنية من المشاعر الإيجابية من خلال مساعدة الأفراد على الانغماس الكامل في اللحظة الحالية (Kabat-Zinn, 2003). أما الاستمتاع بالمتع اليومية - كتناول وجبة طعام أو التنزه في الطبيعة - فيعزز التجارب العاطفية (Bryant & Veroff, 2007).
3. مبادرات اللطف
تولد سلوكيات ومبادرات اللطف مشاعر إيجابية لدى كل من صاحب المبادرة والمتلقي (Lyubomirsky, Sheldon, & Schkade, 2005).
4. بناء الروابط الاجتماعية
إن قضاء وقت ممتع مع الأصدقاء والعائلة يوفر فرصًا لمشاركة الفرح والحب والدعم.
5.ممارسة أنشطة التدفق الذهني
إن المشاركة في الأنشطة التي تحقق التوازن بين التحدي والمهارة تعزز المشاركة العميقة والفرح (Csikszentmihalyi, 1990).
مفاهيم خاطئة حول المشاعر الإيجابية
ومن المهم معالجة الأساطير التي قد تشوه الفهم:
-
عيش المشاعر الإيجابية تعني تجاهل السلبية: في الواقع، السعادة تتطلب الاتزان. تحمل لنا المشاعر السلبية رسائل قيّمة؛ بينما تُساعد المشاعر الإيجابية على تنظيمها وموازنتها (جروس وجون، ٢٠٠٣).
-
لا تأتي السعادة إلا من الأحداث الكبرى في الحياة: اللحظات الصغيرة اليومية من المشاعر الإيجابية هي أكثر قدرة على التنبؤ بالرفاهية على المدى الطويل من تجارب السعادة الغامرة (فريدريكسون، 2013).
-
العواطف الإيجابية هي سمات ثابتة: يمكن تنميتها عمداً من خلال الممارسة وتكوين العادات.
خاتمة
تتجاوز المشاعر الإيجابية كونها مجرد ملذات عابرة. إذ تُوسّع آفاقنا، وتُنمّي مواردًا مستدامة، وتُشكّل مساراتٍ تصاعدية تُغذّي الرفاهية والصحة والمرونة والتواصل الاجتماعي. بفهم دورها في السعادة وتطبيق استراتيجيات عملية لصقلها، يُمكن للأفراد بناء حياةٍ أكثر ازدهارًا ومعنى.
باختصار، إن تنمية المشاعر الإيجابية لا تعني إنكار صعوبات الحياة، بل تعني تمكين أنفسنا بالأدوات النفسية اللازمة لمواجهة التحديات، واغتنام الفرص، وبناء السعادة المستدامة.
مراجع
-
Algoe, S. B., Haidt, J., & Gable, S. L. (2008). Beyond reciprocity: Gratitude and relationships in everyday life. Emotion, 8(3), 425–429.
-
Ashby, F. G., Isen, A. M., & Turken, A. U. (1999). A neuropsychological theory of positive affect and its influence on cognition. Psychological Review, 106(3), 529–550.
-
Boehm, J. K., & Kubzansky, L. D. (2012). The heart's content: The association between positive psychological well-being and cardiovascular health. Psychological Bulletin, 138(4), 655–691.
-
Bryant, F. B., & Veroff, J. (2007). Savoring: A new model of positive experience. Mahwah, NJ: Erlbaum.
-
Cohen, S., & Pressman, S. D. (2006). Positive affect and health. Current Directions in Psychological Science, 15(3), 122–125.
-
Csikszentmihalyi, M. (1990). Flow: The psychology of optimal experience. New York: Harper & Row.
-
Danner, D. D., Snowdon, D. A., & Friesen, W. V. (2001). Positive emotions in early life and longevity. Journal of Personality and Social Psychology, 80(5), 804–813.
-
Emmons, R. A., & McCullough, M. E. (2003). Counting blessings versus burdens: An experimental investigation of gratitude and subjective well-being. Journal of Personality and Social Psychology, 84(2), 377–389.
-
Fredrickson, B. L. (1998). What good are positive emotions? Review of General Psychology, 2(3), 300–319.
-
Fredrickson, B. L. (2001). The role of positive emotions in positive psychology: The broaden-and-build theory of positive emotions. American Psychologist, 56(3), 218–226.
-
Fredrickson, B. L. (2013). Positive emotions broaden and build. Advances in Experimental Social Psychology, 47, 1–53.
-
Fredrickson, B. L., & Joiner, T. (2002). Positive emotions trigger upward spirals toward emotional well-being. Psychological Science, 13(2), 172–175.
-
Gross, J. J., & John, O. P. (2003). Individual differences in two emotion regulation processes: Implications for affect, relationships, and well-being. Journal of Personality and Social Psychology, 85(2), 348–362.
-
Isen, A. M. (2008). Some ways in which positive affect influences decision making and problem solving. In M. Lewis et al. (Eds.), Handbook of Emotions (3rd ed., pp. 548–573). New York: Guilford Press.
-
Kabat-Zinn, J. (2003). Mindfulness-based interventions in context: Past, present, and future. Clinical Psychology: Science and Practice, 10(2), 144–156.
-
Kringelbach, M. L., & Berridge, K. C. (2009). Towards a functional neuroanatomy of pleasure and happiness. Trends in Cognitive Sciences, 13(11), 479–487.
-
Lyubomirsky, S., King, L., & Diener, E. (2005). The benefits of frequent positive affect: Does happiness lead to success? Psychological Bulletin, 131(6), 803–855.
-
Lyubomirsky, S., Sheldon, K. M., & Schkade, D. (2005). Pursuing happiness: The architecture of sustainable change. Review of General Psychology, 9(2), 111–131.
-
Reis, H. T., & Gable, S. L. (2003). Toward a positive psychology of relationships. In C. L. M. Keyes & J. Haidt (Eds.), Flourishing: Positive psychology and the life well-lived (pp. 129–159). Washington, DC: American Psychological Association.
-
Snyder, C. R., Rand, K. L., & Sigmon, D. R. (2000). Hope theory: A member of the positive psychology family. In C. R. Snyder & S. J. Lopez (Eds.), Handbook of Positive Psychology (pp. 257–276). Oxford University Press.
-
Stellar, J. E., Gordon, A. M., Piff, P. K., et al. (2017). Self-transcendent emotions and their social functions: Compassion, gratitude, and awe bind us to others through prosociality. Emotion Review, 9(3), 200–207.
-
Tugade, M. M., & Fredrickson, B. L. (2004). Resilient individuals use positive emotions to bounce back from negative emotional experiences. Journal of Personality and Social Psychology, 86(2), 320–333.
-
Urry, H. L., et al. (2004). Making a life worth living: Neural correlates of well-being. Psychological Science, 15(6), 367–372.
